بسم الله الرحمن الرحيم
لا يختلف الباحثون في الأدب العبري وخاصة اليهود منهم على أن فترة المصور
الوسطى التي عاشها اليهود في كنف الأمة الإسلامية؛ هي فترة البعث للحياة اليهودية
بكل أبعادها فكرية أو اجتماعية؛ سواء في المشرق العربي في بغداد وفلسطين ومصر
وغيرها؛ أم في الغرب الإسلامي في شمال أفريقيا والأندلس الإسلامية. في هذه
المواطن الإسلامية تعايش اليهود جنبًا إلى جنب مع العرب وشاهدوا بأنفسهم عظمة
وسماحة الدين الإسلامي الذي عاملهم وغيرهم معاملة أهل الكتاب ومنحهم حرية العقيدة
والمعيشة أكثر مما كانوا ينتظرون؛ في الوقت الذي كان يهود الأقطار الأخرى يعيشون
كان لابد لتلك المجموعة التي استقرت في الأوطان الإسلامية أن تتعرف عن قرب
على الفكر العربي المتجدد دائما؛ وتعرفوا على اللغة العربية وأدركوا صلتها بلغتهم
مقدرة علمية رغم تواضعها؛ فانكبوا يبحثون ويدققون فيما يقع أمامهم؛ وظهر منهم رواد
في مختلف أفرع الفكر والمعرفة؛ ومع ذلك لم يتحركوا في أي اتجاه إلا وهم يضعون
المؤلفات والأبحاث العربية نصب أعينهم ونور يهتدون به في مسيرتهم؛ فكتبوا وأنتجوا
الكثير الذي فقد بعضه وظل البعض الآخر شاهدًا على ما وصلوا إليه من تطور
وازدهار في تلك الفترة؛ واعتقدوا أنهم بذلك أصبحوا في مصاف الفكر العربي دون أن
يفطنوا إلى أنهم مجرد نقله مقلدون لكثير من أفرع الفكر والمعرفة.
ولعل الاتجاهات الأدبية العربية ومختلف المؤلفات في هذا الشأن بصفة خاصة كان
العرب في بغداد والأندلس. واستطاع اليهود ولأول مرةٍ نظم أشعار موزونة على نفس
البحور والأوزان العربية التي اكتشفها الخليل بن أحمد الفراهيدي؛ وؤفقوا في ذلك إلى
حد كبير إلا أنهم لم يتمكنوا من الاستقلال والإبداع؛ بل كان الأسلوب والمنهج والنظم
العربية هي المعين لهم في جميع خطواتهم. وبعد أن استقر نظم الشعر لديهم كان لابد